ابن حزم

33

المحلى

وأما المحبوس فليس قادرا على مفارقة ذلك الموضع ، ولا على الصلاة في غيره ، فله حكم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول ( إذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) فهذا يسقط عنه ما عجز عنه ، ويلزمه ما قدر عليه ، ويجتنب ما قدر على اجتنابه مما نهى عنه ، قال عز وجل ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * 394 مسألة ولا تجوز الصلاة في أرض مغصوبة ولا متملكة بغير حق من بيع فاسد أو هبة فاسدة أو نحو ذلك من سائر الوجوه ، وكذلك من كان في سفينة مغصوبة أو فيها لوح مغصوب لولاه لغرقها الماء ، فإنه إن قدر على الخروج عنها فصلاته باطل ، وكذلك الصلاة على وطاء مغصوب أو مأخوذ بغير حق ، أو على دابة مأخوذة بغير حق ، أو في ثوب مأخوذ بغير حق ، أو في بناء مأخوذ بغير حق وكذلك إن كان مسامير السفينة مغصوبة ، أو خيوط الثوب الذي خيط بها مغصوبة أو أخذ كل ذلك بغير حق * فإن كان لا يقدر على مفارقة ذلك المكان أصلا ، ولا على الخروج عن السفينة أو كان اللوح لا يمنع الماء من الدخول ، أو كان غير مستظل بذلك البناء ولا مستترا به ، أو كان قد يئس عن ( 1 ) معرفة من أخذ منه ذلك الشئ بغير حق ، أو كانت سفينة أو بناء لم يغصب شئ من أعيانها لكن سخر الناس فيها ظلما : فالصلاة في كل ذلك جائزة ، قدر على مفارقة ذلك المكان أو لم يقدر * وكذلك إن خشي البرد وأذاه ، أو الحر وأذاه ، فله أن يصلى في الثوب المأخوذ بغير حق وعليه إذا كان صاحبه غير مضطر إليه ، وإلا فلا ، وكذلك الأرض المباحة التي لم يحظرها صاحبها ولا منع منها ، فالصلاة فيها جائزة * برهان ذلك قول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون . فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ) صح ذلك من طريق أبي بكرة ، وعبد الله بن عمر ، ونبيط بن شريط الأشجعي ( 2 ) . وقال عليه السلام

--> ( 1 ) كذا في الأصول ( يئس عن ) وإنما يقال ( يئس من الشئ ) قال في اللسان : ( ويئس أيضا وهو شاذ ) وما أكثر شذوذ ابن حزم ! ( 2 ) نبيط : بضم النون وفتح الباء الموحدة ، وشريط : بفتح الشين المعجمة ، وكلاهما في آخره طاء مهملة . وحديث نبيط رواه أحمد ( ج 4 ص 305 و 306 )